خطرات و ومضات في أنباء الغيب
(53) تلد مجموعة الحيوانات وحيدة الحافر مستلقية لضخامة الوليد؛ وذكر القرآن الكريم الشائع منها في بلاد العرب في مجموعة مستقلة: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا النحل: 8, ويمكن لمجموعة الأنعام (الغنم والمعز والإبل والبقر) أن تلد واقفة كالزرافة فيولد وليدها نازلاً؛ إلا إذا أصابها الإعياء, فوصفت بالنزول مثل كل نفيس موافقة لتسميتها بالأنعام لكثرة منافعها, ولوصف ولادتها تخصيصًا بالنزول نصيب من الحقيقة: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ الزمر: 6.
(54) في قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ المؤمنون: 21؛ يتعلق السياق بمنافع الجنسين؛ خاصة اللبن؛ فناسب ذكر الأنعام إجمالاً بلفظ (بُطُونِهَا), وفي بيان تكون اللبن خاصَّةً ناسب ذكر جنس الإناث بلفظ (بطونه) بضمير يستقيم تقديره بلفظ الجنس الذي يدر اللبن أي بعض الأنعام: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ النحل: 66, قال ابن جماعة: "في.. (بطونه) البعض؛ وهو الإناث خاصة، فرجع الضمير إلى البعض المُقَدَّر ودليله تخصيص الآية باللبن؛ وهو في الإناث خاصة, وأية.. (بُطُونِهَا) عامة للجميع؛ بدليل قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ), فعمّ الذكر والأنثى".
(55) في قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ النحل: 66؛ تعبير (مِنْ بَيْنِ) يتضمن معنى الاستخلاص؛ ولفظ (فرث) أصله التفتيت, أي الطعام المفتت المهضوم بالكرش والجاهز للامتصاص Chyme, والدم أوعية ناقلة تنتهي إليها عناصر تكوين اللبن ليستخلص بالضرع؛ ويضاف إليه سكر اللبن Lactose فيصبح سائغًا للشاربين, فأي دقة وإيجاز في بيان تكون اللبن كما في علم وظائف الأعضاء اليوم.
(56) نعم البعوضة ضئيلة لكنها خطيرة؛ فلم يُعرف إلا حديثًا أنها أخطر قتلة الإنسان, وأنها الناقلة لأمراض فتاكة؛ منها: الملاريا وداء الفيل وحمى الدنك, وقبل تقدم الطب واكتشاف المجهر نفي القرآن الكريم الاستحياء من ذكرها استهانةً بها؛ فضلا عما يفوقها ضآلة, كالبكتريا والفطريات والفيروسات: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا البقرة: 26, قال القرطبي: "(فما فوقها): ما دونها؛ أي أنها فوقها في الصغر", وقال الرازي: "أراد.. ما هو أصغر منها".
(57) توماس هانت مورجان هو أول من اكتشف أهمية الذباب في أبحاث الوراثة في بداية القرن العشرين, ونالت ذبابة الدروسوفيللا أهمية كبيرة لسرعة تكاثرها وضخامة مورثاتها تحت المجهر, والذباب خاصة يذيب ما يتناوله ثم يمتصه؛ وإذا تكسرت المواد العضوية خارج فمه بأنزيماته الهاضمة فلا يمكن استردادها, والقرآن الكريم يخص الذباب بمحاولة التخليق تناسبًا مع كونه أنسب كائن لأبحاث الوراثة, ويخصه بعدم إمكان استنقاذ ما يتناوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ الحج: 73.
(58) في قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ النحل: 68و 69؛ بيان بتقدير الغرائز الفطرية التي تهدي الكائنات إلى أسلم سلوك للحفاظ على وجودها تمثيلا بالنحل, وناسب قيام الشغالة بالعمل؛ العدول إلى التأنيث والإفراد في (اتخذي) و(كلي) و(اسلكي) و(بطونها), وناسب غذاءها بحبوب اللقاح لفظ كلي, وناسب اهتداء أفرادها لسبل الغذاء بعد تناول إحداها؛ ورود سلوك السبل بعد تناول إحداها الأكل.
(59) تتجلى في الإبل مؤهلات جعلتها تتكيف للعيش في الصحراء, فتستطيع الصبر على الماء ثمانية أيام مكتفية بدهون السنام؛ ووهبت وسائد على الأرجل تحميها من الرمال الحارة والأحجار عند جلوسها, وقدرة على توسع الخف حتى لا يغوص في الرمال, وقدرة على تركيز البول فتحافظ على الماء, وتغلق الأنف في العواصف, ويمكنها الرؤية من خلال غشاء العين, فكانت مثلا في القرآن الكريم على التقدير في الخلق: أَفَلا يَنْظُرُونَ إلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت الغاشية: 17.
(60) قال تعالى: قُل لاّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَىَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ الأنعام: 145, ولا يوصف بالرجس إلا أقبح الأشياء وأضرها, وفضلا عن العادات المستقذرة قد ثبت أن الخنزير ينقل العديد من الأمراض؛ منها: شريطية الخنزير Taenia Solium, الشعرينيات الحلزونية Trichinellosis, الزحار البلنتيدي Balantidiasis, الديدان المثانية Cysticercosis, وكان مصدرًا لعدد من الأوبئة الفيروسية الخطيرة.
(61) سمي بدء خلق الكون بالفرقعة العظمى Big Bang؛ وكأنه انفجار أصدره مدفع عملاق, والسؤال الذي لم يستطع منه الملحدون تهرباً: إذا لم يكن موجودا سوى العدم فمن أشعل الفتيل إذن؛ وكيف أوجد الانفجار نظامًا وهو لا يصنع سوى الفوضى والدمار, واضطر الفيزيائي ستيفن هاوكنج للاعتراف قائلا: "طالما أن للكون ابتداء فلابد من خالق أوجده".
(62) قال تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا النبأ: 12, وقال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ق: 6, والبناء الذي يشيده الناس قد تصيبه فروج وصدوع, ولكن السماء فوقنا إلى منتهاها بناء موحد في التصميم متماسك اللبنات شديد الترابط بلا فروج وصدوع؛ شاهد عدل على قدرة المُبدع القدير ووحدانية.
(63) في قوله تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا النبأ: 12, وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ المؤمنون: 17, قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (رحمه الله تعالى): “(سَبْعَ طَرَآئِقَ) أي: سبع سماوات طباقًا كل طبقة فوق الأخرى؛ قد زينت بالنجوم والشمس والقمر”.
(64) المجموعة الشمسية Solar System لبنة في المجموعة النجومية المحلية؛ التي هي لبنة أكبر في مجموعة نجومية أعظم Super cluster تشكل مع سواها مجرتنا, والتي هي لبنة في المجموعة المجرية المحلية؛ التي هي لبنة في مجموعة مجرية أعظم, وآخر ما يمكن رصده بالتلسكوبات الراديوية يسمى بأشباه النجوم Quasars, سبعة آفاق تميزها لبنات التكوين؛ أدناها أفق الكواكب, وفي القرآن الكريم: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ الصافات: 6.
| الصفحة: | 1 | ... | 2 | ... | 3 | ... | 4 | ... | 5 | ... | 6 | ... | 7 | ... | 8 | ... | 9 | ... | 10 | ... | 11 |